السيد محسن الأمين

81

أعيان الشيعة ( الملاحق )

وان كانوا مقرين بتوحيد الربوبية لم ينفعهم إقرارهم لأنه نافاه عملهم . فالمشركون لم يتخذوا الأصنام ولم يعبدوها ولم يتخذوا المسيح وأمه والملائكة شركاء لله لأنهم أشركوهم في الخلق بل لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما قالوه وانهم شفعاء عند الله قال الله تعالى : ( قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فجعل اتخاذهم للشفعاء شركا ونزه نفسه عنه لأنه لا يشفع عنده أحد الا باذنه فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة ولا هم أهل لها ولا يغنون عنهم من الله شيئا . فما يفعله المسلمون هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية وانما يفعلونه لما يسمونه وثنا وصنما وفعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا والأسماء لا تغير المعاني فمن شرب الخمر وسماها ماء ما شرب الا خمرا ولعل عقابه أشد للتدليس والكذب وقد ثبت في الأحاديث أنه يأتي قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها وصدق ( ص ) فإنه أتى طوائف من الفسقة يشربون الخمر ويسمونها نبيذا وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس فقال هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ فسمى الشجرة التي نهي آدم عن قربانها شجرة الخلد جذبا لطبعه إليها وتدليسا عليه بالاسم الذي اخترعه لها كما يسمي إخوانه المقلدون الحشيشة بلقمة الراحة وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلما أدبا فيقولون أدب القتل أدب التهمة أدب المكاييل والموازين أو باسم النفاعة والسياقة وكذلك تسمية القبر مشهدا والرجل وليا لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن لمعاملتهم لها معاملة المشركين للأصنام ويطوفون بهم طواف الحجاج بالبيت ويستلمونهم استلامهم لأركانه ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية كقولهم على الله وعليك ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد وكل قوم لهم رجل ينادونه فأهل العراق والهند عبد القادر الجيلي وأهل التهائم يقولون يا زيلعي يا ابن العجيل وأهل مكة والطائف يا ابن العباس وأهل مصر يا رفاعي يا بدوي والسادة البكرية وأهل الجبال يا أبا طير وأهل اليمن يا ابن علوان وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر وقد يعتقدون في بعض فسقة الأحياء وينادونه في الشدة والرخاء وهو عاكف على القبائح لا يحضر جمعة ولا جماعة ولا يعود مريضا ولا يشيع جنازة ولا يكتسب حلالا ويضم إلى ذلك دعوى التوكل وعلم الغيب ويجلب إبليس اليه جماعة قد عشش في قلوبهم وباض فيها وفرخ يصدقون بهتانه ويعظمون شانه ويجعلون هذا ندا لرب العالمين ومثلا . فافراد الله بتوحيد العبادة لا يتم الا بان يكون الدعاء كله والنداء في الشدائد والرخاء والاستعانة واللجأ والنذر والنحر وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللا والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كلها لله ومن فعل ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره ملكا أو نبيا أو وليا أو شجرا أو قبرا أو جنيا فهذا شرك في العبادة وصار من تفعل له هذه الأمور إلها لعابديه وصار بهذه العبادة أو اي نوع منها عابدا لذلك المخلوق وان أقر بالله وعبده فان إقرار المشركين بالله وتقربهم اليه لم يخرجهم عن الشرك وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم ومن اعتقد في شيء من ذلك أنه ينفع أو يضر أو يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل اليه تعالى الا ما ورد في 81 حديث فيه مقال في حق نبينا ( ص ) « 1 » أو نحو ذلك فقال أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون في الأوثان وصار حلال المال والدم كما حلت دماء المشركين وأموالهم قال الله تعالى انا أغنى الشركاء عن الشرك لا يقبل الله عملا شورك فيه غيره ولا يؤمن به من عبد معه غيره بل سمى الله الرياء في الطاعات شركا مع أن فاعلها ما قصد بها الا الله وانما أراد طلب المنزلة بها في قلوب الناس فلم تقبل وسماها شركا اخرج مسلم من حديث أبي هريرة ( رض ) عنه ( ص ) يقول الله تعالى : ( انا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملا وأشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) بل سمى الله التسمية بعبد الحارث شركا بقوله تعالى : ( فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ) اخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سمرة عنه ( ص ) لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد طاف بها إبليس وقال لا يعيش لك ولد حتى تسميه بعبد الحارث فسمته فعاش وكان إبليس تسمى بالحارث . ثم قال « 2 » فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز ان يعتقد الا في الله وجعلوا لهم جزءا من المال وقصدوا قبورهم من ديارهم للزيارة وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عندها وهتفوا بهم عند الشدائد ونحروا تقربا إليهم وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك ولا أدري هل فيهم من يسجد لهم لا استبعد ان فيهم من يفعل ذلك بل أخبرني من أثق به انه رأي من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيما له وعبادة . وقال « 3 » فان قلت القبوريون يقولون نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ندا والالتجاء إلى الأولياء ليس شركا قلت يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك فان تعظيمهم الأولياء ونحرهم النحائر لهم شرك وما يفعلونه عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين ولا ينفعهم قولهم نحن لا نشرك بالله شيئا لأن فعلهم أكذب قولهم ( ثم قال ) فان قلت هم جاهلون انهم مشركون بما يفعلونه قلت قد خرج الفقهاء في باب الردة ان من تكلم بكلمة الكفر يكفر وان لم يقصد معناها وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا ومن نادى الله ليلا ونهارا وسرا وجهارا وخوفا وطمعا ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة . ثم أورد سؤالا بأنهم إذا كانوا مشركين وجب جهادهم والسلوك فيهم ما سلكه ( ص ) في المشركين وأجاب بأنه ذهب إلى هذا طائفة من أهل العلم وقال إنه يجب دعاؤهم إلى التوحيد ويجب على العلماء بيان ان ما يفعلونه شرك وانه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم فإذا أبانت العلماء ذلك للأئمة والملوك وجب عليهم بعث دعاة إلى إخلاص التوحيد فمن رجع حقن عليه ماله ودمه وذراريه ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله ( ص ) من المشركين ( ثم قال ) فان قلت لا سواء لأن هؤلاء قد قالوا لا إله إلا الله وقد قال النبي ( ص ) أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وقال لأسامة قتلته بعد ما قال لا اله

--> ( 1 ) المراد حديث الأعمى الآتي في الفصل الثالث في التوسل ( المؤلف ) . ( 2 ) صفحة 13 . ( 3 ) صفحة 11 .